الأربعاء، 23 نوفمبر 2022

عودة الميرغني والسيناريوهات المتوقعة

عاد إلى السودان اليوم الاثنين، رئيس الحزب الاتحادي الديموقراطي الأصل، مولانا محمد عثمان الميرغني بعد غياب دام لما يقارب السنوات العشر، وسط تعقيدات سياسية يمر بها حزبه الذي يعيش حالة صراع بسبب نجليه “الحسن وجعفر” اللذين يقودان خطين مختلفين فيما يتعلق بموقف الحزب من الأزمة السياسية الراهنه.

ومن المنتظر أن تحدث عودة الميرغني بعد التفرغ لإدارة شؤون حزبه، مجموعة من التحولات فى الساحة الاتحادية، وبالتالي فإن كل المؤشرات تمضي في اتجاه أن عودة الميرغني تأتي لوضع حد للخلافات داخل البيت الميرغني، إلى جانب تقريب المسافات بين الأحزاب الاتحادية وبحث الوحدة الاندماجية بينها.


ويذكر أن نجل الميرغني، القيادي بالحزب، محمد الحسن، وقع على وثيقة الدستور الانتقالي للمحامين، بينما وقع نائب رئيس الحزب، جعفر محمد عثمان، على الإعلان السياسي لتحالف “الحرية والتغيير – الكتلة الديمقراطية”، تحت لافتة المبادرة السودانية للترتيبات الدستورية.

ونتيجة لهذا الانقسام بين الشقيقين، اضطر الميرغني إلى الظهور في مقطع فيديو وتكليف نجله نائب رئيس “الاتحادي الديمقراطي الأصل”، جعفر الميرغني، بحسم كافة التفلتات داخل الحزب.

وقال الناطق الرسمي باسم الحزب، عمر خلف الله، إن وصول الميرغني يأتي لاستكمال عدد من الملفات والمهام، من بينها الوقوف على المبادرة السودانية لحل الأزمة السياسية التي أطلقت في مارس الماضي، والتي تطورت وتم إدماجها ضمن الإعلان السياسي لتحالف “الحرية والتغيير – الكتلة الديمقراطية” الذي يضم 29 مكوناً مدنياً وبعض الحركات المسلحة، بالإضافة إلى الأجسام المعنية بقضايا النازحين واللاجئين.

كما أضاف، وفقاً لـ”العربية/الحدث” أن رؤية الكتلة الديمقراطية تنبني على إجراء تعديلات في بنود الوثيقة الدستورية الموقعة عام 2019 والمضي في إنتاج دستور جديد لاستعادة الانتقال والمساهمة في حل الأزمة السياسية.

وفي ذات المنحى، حذرت من أسمت نفسها “القيادة التاريخية للحزب الاتحادي” في بيان من استغلال تلك العودة في الفتنة والوقيعة داخل بيت الميرغني، وتأجيج الصراع بين (الأشقاء)، متهمة جهات لم تسمها، قالت إنها مستفيدة من هذا الصراع لتحقيق مصالح ومكاسب شخصية، وتعمل جاهدة لخلق تحالف بينها وبين السلطة العسكرية والميلشيات الموالية  بعيداً عن القوى الثورية وأحزابها الوطنية- وفق البيان.

وقالت القيادة في بيانها: “إن من الصعب على الحسن الميرغني التحرك بعيداً عن مظلة محمد عثمان الميرغني”.

الجمعة، 18 نوفمبر 2022

اتفاقية التسونجية

المتأمل للمناورات التي تتم في دهاليز التسوية القائمة الآن سيرى ان العقد أمام اكتمالها تكمن في ثلاث نقاط اساسية. الأولى هي مبدأ المحاسبة والقصاص لكل مسئول عن الجرائم التي ارتكبت في حق الشعب السوداني ابتداء من جريمة فض الاعتصام مرورا بالقتل الممنهج للثوار بعد انقلاب 25 أكتوبر انتهاء بالإخفاء والاعتقال القسري والذي لم يتوقف حتى اليوم . والثانية هي تفكيك نظام التمكين البائد والذي شكل احدي اكبر العقبات في وجه انتصار الثورة وتحقيق شعاراتها وتقوية الثورة المضادة.والنقطة الثالثة هو عودة الجيش للثكنات بكامل عدته وعتاده بعد اعادته لكل المؤسسات الاقتصادية التي يديرها تحت مظلته إلى خزينة الدولة. مع العلم التام أن هذه النقاط الثلاث مرتبطة ببعضها البعض ارتباط جدلي الا ان النقطة الاولى وهي ضمان سلامة الانقلابين يعد بمثابة العقدة في المنشار. وجميعنا طالعنا بيان منظمة أسر الشهداء في يوم 11نوفمبر والذي أعلنوا فيه رفضهم التام لأي مساومة علي دم الشهداء ولاي تسوية تقدم ضمان بعدم المحاسبة لمرتكبي جرائم القتل والتنكيل.ولعلم الانقلابيين التام أن مبدأ المحاسبة والقصاص يمثل أهم مطالب الثورة نجدهم يفقدون الأمل يوما بعد يوم ويظهر ذلك في مناوراتهم الفطيرة التي لا تقنع كائنا من كان، ولكنه نهج العسس المتأسلمين في التعامل مع هذا الشعب الفطن القوي.

 

أما فيما يتعلق بتفكيك دولة التمكين فدعوني استلف بعض ما كتبته الكاتبة الاشتراكية الانجليزية “ان ألكسندر ” في مقالها الرائع (اقتناص زمن الثورة) حيث كتبت”ان التقدم الذي سيتم إحرازه سيعتمد على توسيع وتعميق الثورة وخاصة فيما يتعلق بتفكيك النظام القديم، وهنا تكمن معضلة ضخمة تكاد تكون اكبر العوائق بما لايقاس في سبيل إحقاق شعارات الثورة وهي تفكيك الدولة التمكينية” انتهى الاقتباس. ولا يخفي علي أحد أن أكبر المأخذ علي الحكومة الانتقالية كان هو وتراخيها في تفكيك دولة التمكين والتعامل مع هذا الواجب بشئ من المثالية ( اذا اردنا إحسان الظن) والتي اعتقدت انها ستعتمد على مؤسسات الانتقال الوليدة للقيام بهذا الواجب في الوقت الذي كانت فيه الاجهزة العدلية ومفاصل الخدمة المدنية بالكامل تحت سيطرة دولة التمكين البائدة تحت نظر وحماية العسكر. بالنظر لتحليل الكسندر المبني على أعمال كارل ماركس ولينين؛ طرحت إن السؤال التالي ” هل يمكن للحركات الجماهيرية ان تجبر الجيش والأجهزة الأمنية القائمة على الالتزام بدورها المرسوم لها في المجتمع؟” نفس الجيش الذي استخدمته الدكتاتورية كألة قمع وقامت بأدلجته تبعا لخطها ؟ اقترحت ان خطا مختلفا تماما وهو تحطيم الالة البيروقراطية تماما وليس تشكيلها أو المناورة معها من الداخل هو الخط الذي يجب اتباعه.واستندت هنا على الإرث اللينيني الثوري والذي هو عكس رؤي من كان يأمل أن يتم ترويض مؤسسات الدولة من خلال الثورة وإصلاحها من الداخل. ويعزي ذلك بالضرورة “لاستحالة التوفيق بين المصالح والعداوات الطبقية”.

 

الفخ الذي وقعت فيه قوي التسوية هو اعتقادها امكانية الوصول لاتفاق مع العسكر ونسيت انه ومع تناقض المصالح وتضاربها والخوف من المحاسبة سيظل البرهان وبقية الانقلابين يقدمون رجلا ويؤخرون أخرى في محاولة لكسب مزيد من الوقت لإيجاد مخرج لانقلابهم الذي افشلته وقفة وصمود الشارع السوداني ممثل في تروس كنداكات الثورة.

لذا من الأفضل الوصول والان لصيغة وحدة بشروط الشارع فقط لا بشروط المساومين والانقلابين.

 

لنشحذ اسلحة الثورة السلمية ولنعد تنظيم الصفوف ولتستمر معارك تكوين النقابات والاتحادات استعدادا للخطوة القادمة والتي ستتقدمها سلاح الإضراب العام تحت سيطرة نقابات ديمقراطية وثورية.

الثلاثاء، 15 نوفمبر 2022

الركود التضخمي يدفع (50%) من المصانع لخفض إنتاجها

تفاقمت حالة الكساد في الأسواق بشكل قياسي خلال الأشهر الأخيرة، في وقت كشف فيه الأمين السابق لأتحاد الغرف الصناعية، أشرف صلاح، أن أكثر من (50%) من المصانع العاملة قامت بتقليل الإنتاج بينما أغلق بعضها أبوابه نتيجة لما سمَّاه الركود التضخمي العنيف .
وأضاف أصبح المواطنون غير قادرين على شراء السلع مهما كانت ضرورية، مشيراً إلى أن حالة الكساد أفرز تشوهات حتى في محلات الإجمالي، وأن الأسعار أصبحت فيها أقل من المصانع والشركات الموردة.
كما تفاقمت ظاهرة الكسر وبيع السلعة بأقل من تكلفتها في ظل حالة الكساد العام والممتد الذي بدأ من إغلاق الميناء والطريق القومي مروراً بانقلاب 25 أكتوبر وحتى الآن.
ولفت إلى أن الاستيراد حالياً أصبح هو البديل لمنتجات القطاع الصناعي المحلية، ولكنه يواجه مشكلات كبيرة بينها الرسوم الجمركية التي أدت إلى خروج الكثير من الموردين من عمليات الاستيراد.
ونوه إلى أن القطاع الصناعي ظل يعاني من أزمات ومعوقات كبيرة، وتابع أن القطاع يترنح حالياً بسبب ارتفاع وتعدد الرسوم، إلى جانب زيادة تكاليف الإنتاج التي على رأسها الوقود والكهرباء ومدخلات الإنتاج، مؤكداً أن السلع المنتجة محلياً أصبحت أعلى من المنتجات المستوردة من الدول المجاورة.

الأحد، 13 نوفمبر 2022

برنامج الغذاء العالمي يقرر دعم السودان

قال برنامج الغذاء العالمي إن السودان من الدول التي يمكن الاعتماد عليها في حل أزمة الغذاء المتوقعة على مستوى العالم، وان برنامج الغذاء العالمي على استعداد للاسهام مع السودان في توظيف الموارد الطبيعية ذات الميزات النسبية في حل مشكلة الغذاء على مستوى العالم .

وقال رئيس مجلس السيادة الانتقالي السوداني الفريق أول عبدالفتاح البرهان في مؤتمر القمة لجامعة الدول العربية بالجزائر إن السودان مفتوحاً للحكومات العربية لتحقيق الشعار القديم المتجدد ليكون سلة غذاء العالم .

وكان وزير المالية جبريل إبراهيم أعلن في وقت سابق ان وزارة المالية على كامل استعدادها للتعاون مع برنامج الغذاء العالمي لبناء شراكات استراتيجية بهدف الاسهام في حل مشكلة الغذاء على مستوى العالم.

ويرى الخبير في إدارة الأزمات وفض النزاعات دكتور على يحيى ان برنامج الغذاء العالمي قرر ان يلحق بركب المبادرة السودانية للأمن الغذائي العربي بعد ما اعتمد السودان على موارده الذاتية وبدأ الترويج على المنصات والمحافل الإقليمية والدولية وخاصة بعد أوقفت المساعدات المالية من المؤسسات الدولية .

وفي ذات الاتجاه دعا جبريل الدول الصديقة والشقيقة لدعم جهود السودان لتحقيق أهداف التنمية المستدامة بحلول عام 2030 ، لتحقيق الأمن الغذائي لان العالم يعول على السودان في دعم الغذاء العالمي رغم الأزمة الإقتصادية التي تعاني منها البلاد، مشيراً إلى أن الاقتصاد السوداني لا يمكن فصله عن الاقتصاد العالمي.


وعلى صعيد معاكس قال الخبير في العلوم السياسية والاقتصادية دكتور الهادي أحمد علي ان برنامج الغذاء العالمي هو آخر من يتحدث عن دعم المبادرة السودانية للأمن الغذائي العربي لانه مايزال يروج ان السودان يعيش حالة الجوع الحاد بحلول الربع الأخير من العام الحالي بسبب انعدام الأمن الغذائي مشيرًا إلى أن الحصار الاقتصادي الذي فرض على السودان لأكثر من عقدين من الزمان كان مقصودا لكن البلاد استطاعت تجاوز الحصار وان مواردها الذاتية تستطيع أن تطعم العالم.

الخميس، 10 نوفمبر 2022

الكيزان، من تركيا إلى فيتنام


بدأ قادة الحركة الإسلامية والمؤتمر الوطني المحلول، رحلة اغتراب جديدة إلى دولة فيتنام بعد “ضغط تركي” عليهم في أعقاب عملية تقارب تركية تجري حاليًا مع دول الخليج.

وكشفت متابعات عن رسائل متبادلة بين القادة الإسلاميين السودانيين ونظرائهم المصريين تتعلق ببدء الاستعداد لرحلة جديدة بعيدا عن الدولة التركية التي احضتنهم بعد سقوط أنظمتهم في السودان ومصر تباعاً.

اقطاي مستشار اردوغان يلتقي عبدالحي يوسف
وقالت مصادر متعددة أن أكثر من ألف شخص من قادة ومنسوبي وأبناء قيادات حزب المؤتمر الوطني يقيمون منذ عام 2019 في تركيا، ويديرون استثمارات ضخمة هناك.

وتجري محالات حثيثة في الخرطوم من قبل الآلية الثلاثية المدعومة من أطراف دولية خاصة الولايات المتحدة لإنهاء الانقلاب واقامة حكومة مدنية تتمتع بالسلطة المناسبة وخروج الجيش من السلطة والحكم.

ويرى المحلل السياسي د. أحمد الهادي، أن مع اقتراب حل الأزمة التي خلفها الانقلاب في السودان، والإجراءات التي بدأ الجيش في اتخاذها ضد قادة المؤتمر الوطني المحلول واتباع النظام البائد وإعادة المتهمين في قضية انقلاب الانقاذ للسجن تشير بوضوح إلى مرحلة جديدة.

وذكر الهادي، أن مع التقارب الخليجي – التركي مؤخرا باتت الأبواب المفتوحة في تركيا للإخوان المسلمين في طريقها للإغلاق وهو ما يتيح فرضية بدء الاخوان البحث عن ملاذ جديد.

وأصدرت لجنة التفكيك “المجمدة” قرارات كثيرة باستعادة أملاك وأراضٍ وأصول وأموال من قادة النظام البائد الهاربين لتركيا لكن المجكمة العليا وفق قرارات متتالية اعادت بعض تلك الأملاك لهم.

وكان خبر هروب عباس البشير شقيق الرئيس  المعزول عمر البشير إلى تركيا، صادماً بالنسبة للنشطاء وقيادات الحرية والتغيير – الكتلة السياسية التي قادت التغيير في السودان، إذ أكدت مصادر أن العباس هرب محملاً بأموال ضخمة وأنه سبق وأن أودع مبالغ مالية في البنوك التركية واشترى عقارات تضمن له الحصول على الإقامة الدائمة في تركيا.
ولم يكن العباس ثريا قبل أن يتولى أخوه البشير السلطة. وحكي مصدر قريب من أسرة البشير لـ«الاتحاد» إن العباس كان فقيراً وشبه عاطل عن العمل إلا أنه استغل نفوذ شقيقه في جمع ثروة كبيرة بطرق مشبوهة معظمها كانت مع رجال أعمال أتراك وهذا يفسر لحد كبير اختيار العباس تركيا مهرباً له.
الهروب إلى تركيا لم يتوقف عند شقيق البشير، لحقت به قيادات أخرى من «الإخوان» و«فلول» النظام السابق بينهم من كانوا في الصف الأول في حزب المؤتمر الوطني وفي الدولة ومن يطلق عليهم كوادر وسيطة من قيادات الصفين الثاني والثالث بعد أن سبقتهم أموال إلى هناك وبعد أن تلقوا وعوداً وتطمينات من الحكومة التركية بأنهم سيكون مرحبا بهم وتحت حمايتها لممارسة عملهم السياسي ومعارضتهم للحكومة السودانية التي أنتجتها الثورة.

ووفقاً لمواقع إعلامية تركية فإن الإقامة الدائمة تُمنح لفترة غير محددة وهي صالحة مدى الحياة كما يتمتع الحاصلين عليها بكافة حقوق المواطن التركي كالعمل والتجارة وفتح المشاريع عدا الانتخابات وشغل وظيفة في أمن الدولة.

ومن أهم شروط الحصول على الجنسية التركية إمتلاك عقار لمدة (4) سنوات كحد أدنى وتشغيل (50) شخص، إضافة لقضاء (8) سنوات بتركيا.
     

الاثنين، 7 نوفمبر 2022

حصانة عسكر السودان

فض الاعتصام أمام المجلس العسكري فض الاعتصام أمام المجلس العسكري
تترقب الأوساط السياسية والشعبية في السودان رفع الستار عن اتفاق بين العسكريين والمدنيين يقود لتشكيل حكومة ذات رأس مدني، عقب تسرب معلومات من داخل غرف التفاوض المباشر بين قادة الجيش و”الدعم السريع” مع تحالف “الحرية والتغيير”. وهو يعتبر التحالف الرئيسي الذي قاد مع أجسام أخرى ثورةَ كانون الأول/ ديسمبر 2018، وانقلب على الشراكة معه بعد عامين، قائدُ الجيش السوداني، عبد الفتاح البرهان، في 25 تشرين الأول/ أكتوبر 2021.

غير أن مشروع الاتفاق الذي يُحاك في ظلام حالك يُجابَه بمناهضة ضارية من قوى رئيسية وفاعلة خارج تحالف “الحرية والتغيير”، إذ ترفض هذه القوى أي مشروع تسوية لا يقود إلى إخراج العسكريين من السلطة نهائياً. بل وحتى بعض أحزاب “الحرية والتغيير” ترفض وتقاوم من الداخل التسوية الجارية، كـ “حزب البعث العربي” الذي كان فاعلاً ومؤثراً خلال فترة الشراكة مع العسكريين.

وتناهِض كذلك مشروع التسوية قوى النظام السابق التي استعادت مواقعها وبعض امتيازاتها في أعقاب انقلاب قائد الجيش. كما تبنت الصحيفة الرسمية للقوات المسلحة خطاً تحريرياً مطابقاً لموقف قيادات إسلامية بارزة مناهضة لأي مشروع تسوية مع “الحرية والتغيير”، معبرةً بشكل صريح في خطابها شبه اليومي عن الموقف الأيديولوجي والسياسي للنظام السابق. وأكثر من ذلك، هَدَّد رئيس تحريرها في مقالة بحلول”ساعة الصفر”، وهو التهديد ذاته الذي بدأت تردده قيادات النظام السابق علناً بعد تقارير صحافية صريحة عن مشروع التسوية.

ضغطٌ أمريكيٌ مكثف لإنجاز الاتفاق
الاتفاق المطروح، الذي لا يخرج عن النموذج القديم الذي يُفضّله المجتمع الدولي، وهو الشراكة (العسكرية-المدنية)، وتدفع به بقوة الولايات المتحدة الأمريكية التي تسابق الزمن لكبح جماح التمدد الروسي في السودان وبعض دول الجوار الأفريقي. وقد أطلق سفير واشنطن بالخرطوم، جون غودفري، منذ تسلمه مهامه في آب/ أغسطس الماضي كأول سفير لواشنطن منذ 25 عاماً، نشاطاً محموماً بين الفاعلين السودانيين في محاولة فيما يبدو لإقناع الجميع بضرورة الوصول لأي اتفاق يقود لتشكيل حكومة مدنية كيفما اتفق.

وتمارس واشنطن ضغطاً مكثفاً على جميع الأطراف العسكرية والمدنية والحركات المسلحة من أجل تشكيل حكومة مدنية لاستعادة الدعم الدولي للسودان والذي انقطع منذ انقلاب قائد الجيش الذي مضى عليه عامٌ بالتمام.

وبجانب تحركها الأحادي، تنشط الولايات المتحدة الأمريكية أيضاً ضمن “رباعية” تضمها الى السعودية ومصر والإمارات. غير أن ثنائية الولايات المتحدة والمملكة السعودية هي الأكثر فاعلية وهي ذات تأثير واضح في وصول الأطراف لتفاوض مباشر احتضنه مراراً منزل السفير السعودي.

كما تجتهد الولايات المتحدة بشكل علني لدفع جميع الأطراف للقبول بمشروع دستور انتقالي طرحه تكتل محامين سودانيين وسط شبهات حول صياغة المشروع في أروقة “مجموعة القانون والسياسات الدولية العامة”PILPG) )، وهي مؤسسة أمريكية معروفة في مجال “صناعة السلام والعدالة الانتقالية والدعم القانوني للدول الخارجة من نزاعات وصراعات طويلة”. وقد لعبت هذه المجموعة دوراً استشارياً في اتفاقية نيفاشا 2005 بين حكومة السودان والحركة الشعبية والتي انتهت بانفصال جنوب السودان، كما أدت الدور الاستشاري ذاتَه في اتفاق سلام جوبا 2020 بين الحكومة الانتقالية وحركات مسلحة سودانية.

رفع المسؤولية عن العسكريين مقابل ماذا؟
القضيةُ ليست في القبول بمشروع مسودة المحامين أو رفضها، إذ تقف مسألة العدالة عائقاً رئيسياً أمام إنجاز هذا الاتفاق. العسكريون طلبوا بشكل صريح تحصينهم من المساءلة، وذلك بإدراج بند يخص رفع المسؤولية الجنائية عن الأفعال السابقة، وهو بندٌ سبق أن تضمنه الدستور الانتقالي السوداني لعام 1964 الذي يقول: “أي حكم أو أمر أو فعل صدر من أي شخص أو هيئة في الفترة من 17 نوفمبر 1958 إلى صدور هذا الدستور لا يجوز الطعن فيه أو اتخاذ أية إجراءات قانونية بصدده أو على أساسه أمام أية محكمة جنائية أو مدنية أو إدارية ما دام قد صدر ذلك الحكم أو الأمر أو الفعل من ذلك الشخص أو تلك الهيئة أثناء تأدية الواجب أو بغرض حماية القانون والنظام أو حفظ الأمن وفقاً لأي تكليف من القوات المسلحة السودانية على أية صورة عسكرية كانت أم مدنية”.

لم تتحدث “الحرية والتغيير” إطلاقاً عن هذه الجزئية في التفاوض، بينما تحدثت عنه بوضوحٍ قيادات سياسية مشاركة ومؤيدة لمسودة دستور المحامين من خارج تحالف “الحرية والتغيير”. وتشير المعلومات إلى أن الصياغة التي انتهت إليها مقترحات القانونيين في غرف التفاوض بديلاً لبند دستور 1964جاءت كالتالي: “لا يجوز اتخاذ إجراءات قانونية في مواجهة أعضاء قيادة القوات المسلحة أو قيادة الدعم السريع بحكم مناصبهم الدستورية بشأن أي مخالفات قانونية تم ارتكابها في الفترة من 11 أبريل 2019 وحتى تاريخ صدور هذا الدستور، بسبب فعل أو امتناع، قام به أعضاء القوات المسلحة أو أعضاء الدعم السريع، ما لم يكن ذلك الفعل أو الامتناع موضوع المحاسبة ينطوي على اعتداء جسماني، أمر عضو قيادة القوات المسلحة أو عضو قيادة الدعم السريع منفذه بارتكابه”.

وهذا البند، إذا ما تم الاتفاق عليه، فهو يعني بوضوح استثناء البرهان وأعضاء هيئة قيادة الجيش وقائد “الدعم السريع” وهيئة قيادته من أي مسؤولية في كافة الجرائم التي ارتكبت منذ سقوط البشير، بينما يتحمل الجنود وحدهم المسؤولية. وعلى الرغم من أن المقترح الأولي حدد فترة رفع المسؤولية منذ انقلاب 25 تشرين الأول/ أكتوبر 2021، إلا أن مخاوف العسكريين خاطبت مباشرة قضية فض اعتصام القيادة العامة في حزيران/ يونيو 2019.

وعلى قدر حساسية وأهمية قضية العدالة التي لا زالت تلهب الشارع وسط دماء لم تتوقف، لم تخرج القوى السياسية التي تقود هذا التفاوض للحديث للعامة عن هذه المسألة بالغة الأهمية والخطورة. وقبل كل ذلك يبرز السؤال المهم: هل تمتلك “الحرية والتغيير” الحق في مجرد نقاش إعفاء العسكريين ورفع المسؤولية عنهم في الظلام وبعيداً عن الضحايا؟ صحيح أن هذا البند لا يلغي بالضرورة الحق الخاص، لكنه، وعلى أقل تقدير، يجب أن تتبنى أي قيادة سياسية مسألة العدالة مهما كان تصورها حولها. عموماً هذا البند بالغ الحساسية لم يُبَت فيه بعد، لكنه قيد النقاش الحي.

وبجانب قضية العدالة فإن المشروع الذي يمضي بتكتم شديد يمنح “قوات الدعم السريع” استقلالية مضاعفة عما كان عليه الحال في وثيقة الشراكة العسكرية المدنية لعام 2019، إذ يتبع “الدعم السريع” جنباً إلى جنب مع القوات المسلحة السودانية لرأس الدولة المدني، ما يعني أن المقترح يلغي ما تبقى من تبعية لـ “الدعم السريع” للقوات المسلحة.

تساوي خطورة هذا الأمر خطورة مسألة العدالة، إذ يواجَه برفض واسع وسط الجيش وهو – إذا ما تمّ الاتفاق عليه – يجعل احتمالية الانقلابات واردة مثل احتمالية المواجهة بين القوتين. وبلا شك فإن هذا الأمر يضاعف رفض مشروع التسوية من قبل الكتلة الرئيسية الفاعلة في الحراك الجماهيري الذي لم ينقطع منذ سقوط البشير.

ولم يَحسم التفاوضُ بعد مسألةَ تبعيةِ مؤسسات الجيش لوزارة المالية، ومعلومٌ أن الجيش يتمتع باستقلالية اقتصادية لا ولاية لوزارة المالية عليها، وهو أمر كان ولا يزال مطلباً رئيسياً. والراجح وفقاً لخطابات متتالية لقائد الجيش، أنّ تسليم هذه المؤسسات وحتى إصلاح القطاع العسكري والمدني لا يمكن أن يتم إلا عبر حكومة منتخبة.

ما يجعل هذا المشروع مهدداً بالانهيار هو أنه ابتداءً يأتي بإرادة وطنية ضئيلة مقابل ضغط خارجي شديد، وأن مناهضيه على اختلاف مواقفهم جميعهم فاعلين ومؤثرين. صحيحٌ أن الوضع الاقتصادي المتردي وتبعاً له السياسي والأمني، في حاجة عاجلة لاتفاق ينهي حالة العجز التي سيطرت على الساحة، لكن بالمقابل، إنّ أي اتفاق لا يخاطب مسألة العدالة بجدية متضمناً خطة واضحة لخروج العسكريين من السلطة، هو بالتالي سيواجِه مقاومة.

مأساة لا يمكن تجاهلها

 تعدي الجيش على النساء في الشارع يعتبر تعدي الجيش على النساء في الشارع ظاهرة مروعة تتسبب في تعرض النساء للعنف والاعتداءات الجسدية والنفسية. ...